ابن الجوزي
266
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال : بعثني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد قتل خبيب وأصحابه ، وبعث معي رجلا من الأنصار ، فقال : ائتيا أبا سفيان فاقتلاه فخرجنا وليس مع صاحبي بعير ، فلما وصلنا عقلت بعيري ، وقلت لصاحبي إني أريد أن أقتل أبا سفيان فإن أصبت شيئا فالحق ببعيري فاركبه والحق بالمدينة فأخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . فلما دخلنا مكة قال لي صاحبي هل لك أن تطوف ، فقلت : أنا أعلم بأهل مكة منك ، فلم يزل بي حتى طفنا ، فمررنا بمجلس فعرفني رجل منهم ، فصاح بأعلى صوته : هذا عمرو بن أمية الضمريّ ، فتبادر أهل مكة ، قالوا : والله ما جاء عمرو لخير ، فقاموا في طلبي ، فقلت لصاحبي : » النّجاء ، فهذا الَّذي كنت أخاف ، وليس إلى الرجل سبيل فانج بنفسك « ، فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في الجبل ، فدخلنا غارا فبتنا فيه ليلتنا فأعجزناهم فرجعوا ، فإذا عثمان بن مالك التميمي قد وقف بباب الغار ، فخرجت إليه فوجأته بخنجر معي فصاح صيحة أسمع أهل مكة ، فأتوا إليه ، ورجعت إلى مكاني ، فجاؤه وبه رمق ، فقالوا : ويلك من ؟ قال : عمرو بن أمية ، ثم مات ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا ، فقالوا : والله لقد علمنا أنّه ما جاء لخير ، فاشتغلوا بصاحبهم ، فأقمنا في الغار يومين ، ثم خرجنا إلى التنعيم فإذا خشبة خبيب / وحوله من يحرسه ، فقلت للأنصاريّ : إن خشيت فخذ الطريق إلى جملي فاركبه ، والحق برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأخبره الخبر واشتددت إلى خشبته فاحتللته واحتملته على ظهري ، فوالله ما مشيت به إلا نحو ذراعين [ 1 ] [ حتى نذروا بي فطرحته ] [ 2 ] فما أنسى وجبته حين سقط فاشتدوا في أثري فأخذت طريق الصفراء ، فرجعوا وانطلق صاحبي فركب بعيري ثم أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأخبره الخبر ، وأقبلت أمشي حتى أشرفت على ضجنان ، فدخلت غارا ، فدخل علي رجل من بني الديل ، فقال : من الرجل ؟ فقلت : من بني بكر ، قال : وأنا من بني بكر ، ثم اضطجع معي ، ثم رفع عقيرته يتغنى ، ويقول : ولست بمسلم ما دمت حيّا ولست أدين دين المسلمينا فقلت : سوف تعلم ، فنام فقمت فقتلته شر قتلة ، وخرجت فلقيت رجلين من قريش يتحسسان أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقلت : استأسرا ، فقالا : أنحن نستأسر لك ،
--> [ 1 ] في أ ، والطبري : » نحو أربعين ذراعا « . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، وأوردناه من الطبري .